آخر الأخبار
الرئيسية / الأخبار / آراء / المُتاجرة بمأساة اللاجئين السوريين وقسوة المنافي

المُتاجرة بمأساة اللاجئين السوريين وقسوة المنافي

الأربعاء, فبراير 22nd, 2017

لا أدري ما الذي جعل دول العالم “المتحضر” وعلى رأسها أمريكا وأوروبا أن تتخلى عن مبادئها الليبرالية المزعومة وتميل لصالح الدكتاتور الفرد الذي أحرق البلاد والعباد على حساب شعب كامل تم التنكيل به وتشريده وعلى مدى ستة أعوام وهو يقصف بشتى أنواع الأسلحة فتكاً المحرم استعمالها دولياً ضد المدنيين ومازال يفعل دون رادع!

ومسألة الخوض في تعليل وتفسير ذلك الموقف المخزي للعالم أجمع والبحث عن أعذار ومبررات واهية لتبرير تخاذلهم عن نصرة الشعب السوري هو أمر مُخز ومؤلم للمشاعر وإن تذرع ذلك العالم المتخاذل تارةً بحجة الخشية من تمكن “داعش” والتنظيمات الإسلامية المتطرفة في سوريا وأخرى خوفاً على حدود إسرائيل ووو الخ علماً أن النظام السوري بدأ القتل والتنكيل قبل ظهور تلك التنظيمات الإسلامية.

ليس هذا فحسب بل أصبحت المأساة السورية والمواطن السوري مشروع للتكسب والاستجداء وتحقيق المآرب السياسية من قبل بعض الانتهازيين والوصوليين سواء في الشرق أو الغرب, وبات كل طاغية يسعى لتجميل نظامه ما عليه إلا أن يتبردع برداء المأساة السورية لكي يكسب ود الجماهير ويُحقق مكتسبات سياسية, والطامة الكبرى أن من صنفوا أنفسهم أصدقاء للسوريين هم في حقيقة الأمر من ألد أعداء الشعب السوري, بل حتى الأشخاص العاديين وجدوا في الهولوكوست السوري مادة دسمة للارتزاق والتكسب, وما على هؤلاء المتاجرين بمأساة السوريين سوى البحث عن صورة طفل أو طفلة سورية شردها النظام أو خرجت من براثن محرقة البراميل ثم يبدأ الاستجداء باسم تلك الطفلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن يضع رقم حسابه البنكي.

أصبحت المأساة السورية والمواطن السوري مشروع للتكسب والاستجداء وتحقيق المآرب السياسية من قبل بعض الانتهازيين والوصوليين سواء في الشرق أو الغرب

للأسف فالجميع بات يتكسب المال الحرام مُغمساً بدماء أطفال ونساء سوريا ويُتاجر بتلك المأساة الإنسانية, وحتى عمليات التشبيح والتعفيش (إفراغ المنازل من الأثاث والمُقتنيات) باتت تمارس في الداخل والخارج على حد سواء, فإن كان أزلام النظام يسرقون مُقتنيات المواطنين بعد مُداهمة المناطق الخارجة عن سلطة النظام فيقومون بتفريغ المنازل من العفش, فإن دول اللجوء المُجاورة كالأردن تعفش هي الأخرى المساعدات الدولية المُرسلة للاجئين السوريين وتبيعها في الأسواق المحلية بينما تمنح نزلاء مخيم الزعتري الفتات فقط.

وكل تبعات تلك المآسي ومضاعفات هذه الأمراض الاجتماعية والممارسات اللا إنسانية كانت بسبب تخاذل النظام الدولي الذي قرر أن يُفضل شخص دموي واحد على شعب كامل من أجل مصالح دولية خفية وأجندات سوداء سرية لا يمكن لأطفال سوريا أن يفهموها أو حتى يتفهموها.

والآن بدأت دول أوروبا تتذمر وتشتكي من تدفق اللاجئين السوريين على بلدانها بينما كان بإمكان تلك الدول أن تقف موقفاً إنسانياً حازماً وتعيد ميزان العدالة لنصابه بأن تفضل بقاء شعب كامل في موطنه والتخلص من الطاغية الدموي وزبانيته لكنها اختارت الخيار الثاني ففضلت الدكتاتور على الشعب المغلوب على أمره.

حتى الانتخابات الأمريكية لم تخلو من الزج بالمأساة السورية في تلك المعركة السياسية, حيث تلاسن الأمير السعودي المليونير وليد بن طلال مع المرشح الأمريكي في حينه دونالد ترامب, فسارع ترامب ليسأل هذا الأمير النزق العابث عن سبب عدم استقبال مملكته السعودية للاجئين السوريين؟

 

وهذا بالتأكيد لا يعني أن دونالد ترامب تحول فجأة لحمل وديع يذرف الدموع على مأسأة اللاجئين السوريين الذين نكل بهم وشردهم الدكتاتور بشار, وإنما كعادة أي رجل إعمال انتهازي يذرف دموع التماسيح في سبيل تحقيق مآربه السياسية وإثارة المشاعر الديماغوجية لدى أتباعه.

هل حقاً استقبلت السعودية أكثر من مليوني لاجئ سوري؟

ولي العهد السعودي محمد بن نايف بن عبد العزيز كان قد زعم في تصريح له خلال زيارته للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أن السعودية قد استقبلت مليوني ونصف المليون لاجئ سوري !!

وهذا كذب صريح وتنفيه الأدلة, فوثائق ويكليكس تُثبت أن أبيه نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي رفض السماح للاجئين السوريين بالإقامة في السعودية والعمل بعد قيام الثورة السورية، لكنه حاول التذاكي في كلمته التي ألقاها على منبر الأمم المتحدة, حيث قال بأن أعداد اللاجئين السوريين في السعودية بلغ مليوني ونصف لاجئ!

وفي واقع الأمر أن محمد بن نايف قام بحساب وجرد جميع المُقيمين السوريين منذ عقود في السعودية ويشغلون مهن ووظائف شتى في البلاد قبل إندلاع الثورة السورية، ثم قام بمضاعفة الرقم ربما لعشرة أضعاف وقدمهم في كلمته على أنهم لاجئين جُدد تعطفت وتلطفت حكومة آل سعود وسمحت باستقبالهم في دياره. وهذا مخالف للحقيقة والمنطق، وهو أشبه بجرد أعداد الملايين من الهنود المُقيمين في السعودية ومن ثم اعتبارهم لاجئين في البلاد في حال إندلاع حرب في الهند. وهذا يعد نوعاً آخر من المُتاجرة بالمأساة السورية على حساب اللاجئين الذين يتلحفون العراء في المخيمات والمنافي.

وثائق ويكليكس تُثبت أن نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي قد رفض السماح للاجئين السوريين بالإقامة في السعودية والعمل بعد قيام الثورة السورية

رابط لتصريح ولي العهد ووزير الداخلية السعودي السعودي محمد بن نايف في الأمم المُتحدة بتاريخ 19 سبتمبر 2016م :

وهنا أدعو محمد بن نايف إعطاء المنظمات الدولية أسماء وعناوين هؤلاء السوريين اللاجئين في السعودية الذين بلغ عددهم مليونين ونصف لاجئ, والسماح للجنة الصليب الأحمر الدولي أن تجردهم حتى يُصدق العالم تلك الادعاءات الفارغة.

طبعاً الكلام سوف ينطلي على البسطاء والسُذج وسوف تمرر وسائل الإعلام العربية وحتى الغربية تلك الترهات إما بسبب عدم رغبتها في الدخول في عداء مع النظام السعودي كي لا تخسر مصالحها معه، أو لأنها لا تستطيع أن تتأكد من الحقيقة ولا يسمح لها بالرصد الميداني.

وثائق وزارة الخارجية السعودية التي سربها موقع ويكيليكس وعليه فسوف تفند ما جاء من إدعاءات باطلة على لسان ولي العهد السعودي:

الوثيقة الأولى: وهي عبارة عن برقية سرية وعاجلة موجهة من وزير الداخلية السعودي السابق نايف بن عبد العزيز آل سعود إلى وزير الخارجية السعودي السابق سعود بن فيصل, وهي مُرسلة بتاريخ 6 ديسمبر 2011م أي بعد انطلاق الثورة السورية بـ 9 أشهر, وذلك بعد أن قام عدد من السوريين الذين فروا إلى الأردن بتقديم طلبات لجوء إلى السفارة السعودية في عمان، فيها يطلب وزير الداخلية السعودي نايف من وزير الخارجية بعدم استقبال هؤلاء اللاجئين السوريين لا بغرض النزوح ولا حتى بقصد العمل، لأن بعض هؤلاء لديهم أنشطة سياسية وسيكون لاستقبالهم تبعات سياسية، وفي حال قبول هؤلاء سوف يفتح الباب لبقية السوريين بطلب اللجوء, وعليه فهو يطلب منه صرف النظر عن طلباتهم.

https://wikileaks.org/saudi-cables/doc58795.html

الوثيقة الثانية: هي عبارة عن كتاب رفعه وكيل وزارة الخارجية السعودية تركي بن محمد بن سعود الكبير وهو من نفس أسرة آل سعود, إلى رئيسه وزير الخارجية سعود بن فيصل بتاريخ 29 فبراير 2012م، يبلغه بأن وزير الداخلية ورئيس الاستخبارات يريان بعدم الالتفات إلى طلبات اللجوء التي تقدم بها بعض السوريين في الأردن، وقد همش الوزير بقلمه على الخطاب بـ (لا مانع).

الوثيقة الثالثة: وهي عبارة عن رد من إلى الملك السعودي السابق على برقية سرية بعث بها وزير الخارجية السعودي السابق بتاريخ 23 يناير 2012م, بشأن طلب قُدم من الجالية السورية في النمسا إلى السفارة السعودية في فيينا يودون أن يقيموا حفلاً خيرياً في السعودية في كل من العاصمة الرياض ومدينة جدة والدمام وذلك لغرض تعريف المقيمين السوريين في السعودية بنشاط الجمعية التي شكلوها وبنفس الوقت جمع تبرعات لمُساعدة اللاجئين السوريين.

ونرى هنا الملك السعودي يوافق على قدومهم لغرض الاستفادة من المعلومات التي بحوزتهم (للاستفادة منها استخبارياً) ولكنه يرفض قيامهم بإقامة حفل خيري أو جمع التبرعات للاجئين السوريين!

كل تلك الوثائق وغيرها من وثائق أخرى تتحدث عن منع وزارة الخارجية السعودية سفاراتها في الخارج من توظيف السوريين وكذلك منع الزواج من النساء السوريات, كلها أدلة دامغة تدل على أن النظام السعودي لم يستقبل أعداد مُعتبرة من اللاجئين السوريين كما فعلت بقية الدول, ولا صحة للأرقام التي ذكرها وزير الداخلية السعودي محمد بن نايف في الجمعية العامة للأمم المُتحدة. وللحديث بقية.

سعود السبعاني صحفي وكاتب

المقالة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر عن رأي الموقع..

عن Wissam Moukayed