آخر الأخبار
الرئيسية / الأخبار / آراء / روزنغورد وخيار “الخروج عن المألوف”

روزنغورد وخيار “الخروج عن المألوف”

الخميس, أبريل 13th, 2017

للأسف هنالك صور نمطية سلبية عادةً تؤخذ عن كثير من الدول وعن بعض الشعوب وأحياناً حتى عن مناطق مُعينة وحواري ضيقة في كثير من البُلدان، وما أن تلتصق تلك الصفة السيئة أو الصورة النمطية بشعب مُعين أو بمنطقة ما فلا يُمكن تغييرها إلا من خلال الجهود والنشاطات الإيجابية لسكان أو أهالي تلك المنطقة, وهذا ما يحصل حالياً في مدينة مالمو السويدية وفي منطقة /روزنغورد/ تحديداً.

فبلدية مالمو تسعى جاهدة بالتعاون مع السكان لتغيير تلك الصورة النمطية السلبية عن تلك المدينة خاصة بعد تزايد جرائم القتل الشبيهة بعمليات الاغتيال, وللأسف فإن الإعلام السويدي ساعد في تثبيت تلك النظرة السيئة عن مدينة مالمو وتحديداً الأحياء التي يقطنها الأجانب، وهناك أصابع إعلامية خفية تسعى من أجل شيطنة منطقة /روزنغورد/ وجعلها بؤرة للجرائم ومجمع للفساد وترويج المُخدرات والتسكع.

ومن يقرأ الصحف السويدية وحتى الصحف الأجنبية يظن أن مدينة مالمو في حالة طوارئ وأن منطقة /روزنغورد/ هي خارج السيطرة, وأن العصابات تعثوا بها والأمن مفقود والحياة متوقفة والداخل لها مفقود والخارج مولود!.. وهذا غير صحيح قطعاً وهو تهويل إعلامي غير مُبرر؛ صحيح أن هناك بضعة جرائم وقعت وجل الضحايا كانوا من الأجانب، ومن العرب تحديداً، وهناك غموض غير مفهوم وراء تلك الجرائم، لكن الأمر يحتاج لتعاون جميع الأطراف لحل لغز تلك الجرائم الغريبة والمُريبة.

أما الحياة في مالمو فهي مستمرة وحي /روزنغورد/ يزهو بمحلاته الشرقية ومطاعمه العربية والحياة سائرة على طبيعتها، والجميع غير مُقتنع بما يُثار إعلامياً ويسعى لتغيير تلك الصورة النمطية عن ذلك الحي المُثير للجدل.

أثناء تجوالي اليوم في منطقة /روزنغورد/ وفي داخل السوق المركزي الخاص بالحي, لاحظت بالصدفة أحد الأنشطة الخاص بالأطفال والكبار أيضاً برعاية أحد المراكز الثقافية في منطقة /روزنغورد/ وهو مشروع (بيت الأحلام – Drömmarnas hus)، وهذا النشاط حسب ما ذكر لي القائمين عليه مُمول من قِبل مجلس الثقافة والفنون السويدية (Kulturrådet), لمدة ثلاثة أعوام، وهدفه تنشيط الفعاليات الثقافية والفنية والاجتماعية، حيث يتضمن نشاطات فنية ومسرحية بطرق حديثة ومُبتكرة تهتم باستقطاب الأطفال والمُراهقين وحتى الكبار أيضاً.

وقد التقيت بأحد أعضاء فريق (بيت الأحلام) وهو فنان تشكيلي من أصل عراقي, يُدعى /جعفر طاعون/ وهو من سُكان منطقة /روزنغورد/، تخرج من معهد الفنون الجميلة – قسم الجرافيك في بغداد عام 1985، ولهُ عدة مُشاركات فنية في معارض داخل وخارج السويد.

ولدى سؤالي له عن تاريخ ذلك المركز الثقافي وطبيعة الأنشطة الذي يقوم بها المركز ؟

– أجاب: أن عمر هذا المركز يربو على الـ 26 عاماً حيث تأسس عام 1991 في بيت تُراثي لأسرة سويدية – مالموية عريقة بمنطقة /روزنغورد/ , وترأس هذا المركز حالياً سليلة تلك العائلة السيدة (لوتا لوندغرين – Lotta Lundgren), ويهتم هذا المركز بسبل التواصل الاجتماعي الحديثة من خلال الثقافة والفنون، وحالياً يشمل نشاطه كافة إقليم سكونا.

وكونه فنان تشكيلي طلبت منه أن يُحدثني عن علاقة الفن بالاندماج أو بوسائل التواصل في المُجتمع السويدي ؟

– أجاب: أعتقد بأن الفن عموماً والرسم خصوصاً يُساعد الأطفال والكبار أيضاً على سرعة الاندماج وشق طريقهم من خلال استيعاب الحياة الجديدة في السويد، وأنا من المُختصين في مجال الفن التركيبي الاجتماعي, حيث كنت أحلم بتطبيق هذا المشروع منذ أن وصلت إلى السويد, وهذا المشروع نشاطات فنية ومسرحية بطرق مُبتكرة لما بعد الحداثة وعلاقته بـ”آنية الفن” وربطهما اجتماعياً، لهذا أرى الحل الآني للتواصل الاجتماعي والاندماج من خلال “الخروج عن المألوف” بالمفهوم الإيجابي طبعاً.

سألته: ألا تعتقد بأن تلك الفكرة طوباوية غير واقعية ؟

– فقال على العكس, فنحن نعيش في بلد حضاري مُتطور، ويجب أن نتأقلم مع المُجتمع ونواكبه من خلال الثقافة والفن والمسرح، وهنالك فرصة سانحة لأطفالنا أن يتعلموا ويُبدعوا وينطلقوا في المُجتمع السويدي المتطور، ويجب عدم الرجوع بالذاكرة إلى الوراء والحكم على الأمور بمنظور واقعنا السابق في بلداننا العربية، فما دام كل شيء متوفر هنا والجو العام يُساعد على التعلم والأبواب مفتوح للمشاركة والإبداع فلِمَ نتأخر أو نتردد.

وعن رأيه فيما يُثار إعلامياً عن الأوضاع مالمو وعن الحوادث الجنائية والوضع “القلق” في منطقة روزنقورد كما يُثار إعلامياً ؟

– أجاب: أنأ أسكن في مالمو منذ ربع قرن ومن سُكان منطقة منطقة /روزنغورد/ تحديداً، وما يُثار عن تلك المنطقة مُبالغ فيه كثيراً، وللأسف فإن تلك الصورة النمطية سعى الجميع دون استثناء في ترسيخها، لهذا نسعى جاهدين لتغيير تلك الصورة السوداوية المغلوطة عن مدينة مالمو وعن /روزنغورد/ تحديداً.

أيضاً التقت بزميلته في المشروع الشابة (لوز – Luz) وهي تنحدر من أب ذو أصول تشيلية وأم سويدية, تعمل أيضاً في هذا المشروع، وكانت سعيدة بهذا النشاط الثقافي، وهي مهتمة بتكثيف هكذا أنشطة ترفيهية للشباب خاصة.

/لوز/ أجابت على سؤالي ما إن كانت ترى في مثل هكذا نشاطات ثقافية أي جدوى، وهل تجد تعاون من قِبل الأسر القاطنة في روزنقورد، وما إن كانت متفائلة بنجاح هكذا أنشطة ثقافية؟، بأن الثقافة والفن في كل البلدان هو الوسيلة الناجعة للتواصل والتفاهم، والثقافة ضرورية ومهمة لكل الناس ومطلوبة في كل المُجتمعات. وأرى أن هناك إقبال جيد من قبل الأُسر في منطقة روزنقورد، وهم متعاونون حيث أحضروا أطفالهم إلى هنا, وأنا أُشجع هكذا أنشطة ثقافية وأتمنى مزيد من تلك الأنشطة الترفيهية وخاصة لفئات المراهقين، لأن انعدام مثل تلك النشاطات خاصة بالنسبة للمراهقين تخلق المشاكل وتجعل كثير منهم في حالة ملل وتسكع.

هكذا كان الخروج عن المألوف في مدينة مالمو وفي قلب حي /روزنغورد/ .

فما بين نظرة إعلامية سوداوية مُتشائمة خارجة عن المألوف تحاول شيطنة تلك المدينة الوادعة، وما بين رؤية لمركز ثقافي واعد وحلم لفنان تشكيلي يأمل بأن يكون أسلوب الخروج عن المألوف الإيجابي هو الحل للتخلص من تلك الصورة النمطية عن مدينة مالمو ومنطقة روزنقورد خاصة, ينتهي مشواري.

سعود السبعاني

كاتب وصحفي

عن Wissam Moukayed