آخر الأخبار
الرئيسية / ثقافة / تاريخ / الدبلوماسي السويدي الذي أنقذ آلاف اليهود وأختفي على أيدي الروس

الدبلوماسي السويدي الذي أنقذ آلاف اليهود وأختفي على أيدي الروس

الأربعاء, مارس 1st, 2017

/راؤول ڤالينبيرج/ دبلوماسي ومهندس ورجل أعمال سويدي ولد في 4 أغسطس/آب 1912. أنقذ عشرات الآف اليهود من المحرقة متسلحاً فقط بشجاعته وجرأته الأخلاقيّة ليتم بعد ذلك اعتقاله من قبل القوات السوفيتية ويبقى مصيره مجهولاً حتى اللحظة. قصتة ألهمت العالم بأجمعه حتى بات إحدى الشخصيات السويدية المعروفة في التاريخ الحديث. إن إنجازات /ڤالينبيرج/ رسالة تذكير لاستمرار الحاجة إلى محاربة التمييز العنصري في العالم، فجميع الأديان السماوية تدعونا للتسامح والعيش بسلام مع بعضنا البعض.

يعد واحد من القلائل الذين حصلوا على المواطنة الفخرية الأمريكية

يعد راؤول واحد من السويديين القلائل الذين حصلـوا على الترحيب والانتباه الدولي، ففي عام 1981، أصبح ثاني شخص من بين سبعة آخرين نالوا لقب المواطنة الفخرية في الولايات المتّحدة الأمريكية. ومن بينهم /وينستن تشرشل/ و/الأم تيريزا/. كما أصبح في عـام 1985 مـواطنـاً فخـريـاً في كندا، وفي عــام 1986 مواطناً فخرياً في إسرائيل.

تقديم جوازات سفر ومأوى في البيوت السويدية

في العــام 1944، أنشأت الـولايـات المتحــدة الأمـريكي مجلس لاجئـي الحــرب (WRB)، وهو منظمـة تتمثل مهمتها في إنقــاذ اليهــود من الاضطهــاد النازي. وحالما أدرك المجلس (WRB) أن السويد تبذل محاولات جادة لإنقاذ اليهود في هنغاريا، شرعت في العثور على شخص يستطيــع أن يطلق عمليـة انقــاذ كــبرى في بودابست. وعرضت هذه الوظيفة على /ڤالينبيرج/ وقبل بها.

عيّن الدبلوماسي ورجـل الأعمـال ڤالينبــيرج سكرتـيراً للبعثة الدبلوماسية السويدية في بودابست في يونيو/حــزيــران 1944. كانت مهمته اطلاق عمليــة إنقــاذ لليهود، عن طريق إصدار جــــوازات سفر ســويدية للحــــماية وتأجير مبـــاني (بيوت ســويدية) حيث تمكن عشرات الآلاف من اليهـــود الالتجـــاء إليها والحصول على ملاذ آمن فيها.

قبـل وصـوله إلى بودابست، كان ڤالديمـار لانجليت، وهو مندوب من الصليب الأحمر السويدي يقــوم بمساعـدة المفـوضيـــة السويـديـة. كان لانجيت يستأجر المباني باسم الصليب الأحمر ويضع لافتات على أبوابهـا مثل «المكتبـة السويـديـة» و «المعهـد السويدي للبحـوث». واستخـدمت هـذه المباني فيمـا بعـد مـأوى لليهود للاختباء بها.

سجن ڤالينبــيرج في يناير/كانــون الثاني 1945 من قبل قوّات سوفيتية. وبقي مصيره مجهولاً لغاية الآن. ويزعم الاتحاد السوفيتي بأنّه مات في سجن سوفيتي في 17 يوليو/تموز 1947. إلا أن العـديـد مـن التقــارير تفيد بأنه لربما كان حياً إلى ما بعد ذلك.

طبع الآلاف من جوازات السفر

كان أول شيء فعلـه ڤالينبـيرج هـو تصميم جــواز سفر سويدي للحماية مستغلاً ضعف البـيروقـراطيّين الألمـان و المجـريّين لدراسة الرموز، لذا طُبِعَتْ الجوازات باللونين الأزرق والأصفر والشعار السويدي في المنتصف .

وزوّد الجوازات بالطّوابـع و الإمضـاءات المناسبة. وتمكّن ڤالينبــيرج من إقنــاع وزارة الخارجيـة المجريّة أن تـوافـق على 4,500 جواز حماية. إلا أنه في الحقيقــة أصدر ثـلاثـة أضعـاف ذلك العـدد. ونحو نهايـة الحرب، عندمـا كانت الظّروف يائسـةً، أصـدر ڤالينبـيرج نسخـةً مبسّطـة مــن جــوازه الحامي الّذي حمل إمضاءه فقط. وقد نجح هذا الأمر أيضاً في ظل الفوضى القائمة.

واستخدم ڤالينبــيرج لتحقيق أهـدافـه أي شيء من الـرّشـوة إلى تهــديـدات الابتــزاز. وكان الدبلوماسيّون الآخرون في المفـوضيـة السّويـديـة متشكّكين في البداية لطرقـه غــير التقليديّــة. ولكنّ عندما أثمرت مجهـودات /ڤالينبيرج/، تلقّى المساندة بسرعة. وقد كبر قسمه، حيث كان هناك عـدة مئات من الأشخـاص يعملـون هناك في أوقات ذروته.

في 20 نوفمـبر/تشرين الثاني 1944، حـرك /أدولـف أيشمان/ سلسلة من مسيرات الموت أجبر فيها الآلاف من اليهـود أن يتركوا المجر ســيراً على الأقــدام تحت شروط صعبة جداً. إلا أن /ڤالينبيرج/ ساعدهم بتوزيع الجوازات والطّعام و الدّواء. وفي يناير/كانون الثاني 1945، وصل الجيش الأحمر إلى بودابست. وفي 17 يناير/كانون الثاني، اعتقل ڤالينبيرج من قبل القوّات السّوفييتيّة.

البحث عن راؤول ڤالينبيرج 

يبقى قــدر /ڤالينبيرج/ لغزاً محـيراً حتى يومنا هذا. ليس هناك حتّى الآن صورة واضحة لما حدث له بعد اعتقاله. ففي إبريل/نيسان 1945، بات واضحاً أن /ڤالينبيرج/ قد اختفى فعلاً.

المعلومات من موسكو بينت أن /ڤالينبيرج/ لم يكن في الاتحاد السوفيتي. وفي أوائـل الخمسينيــات، أفــادت شهــادات أسرى الحرب العائدون أنهم قد قابلوا /ڤالينبيرج/ في أحد السجون بالعاصمة موسكو، الأمر الذي أدى إلى تجدد الجهود السويدية. وفي عـام 1957، أعطـى الاتحـاد السوفيتي رداً جـديـداً. فقـد وجـدوا وثيقة مكتوبة باليد بتاريخ 17 يوليو/تموز 1947 يصرّح فيها «أن ڤالينبيرج السّجين [على حدّ قول كاتبها]… مات اللّيلة الماضية في زنزانته».

السـويــد كانت متشككة من تلك الرواية لكن الاتحـاد السوفيتي إلتزم بروايته لما يزيـد عن 30 عامـاً. وفي أكتوبر 1989، أدت الطلبات من الحكومة السويدية وعائلة /ڤالينبيرج/ إلى إنجاز مثمر، وتم دعوة ممثلو العائلة إلى العاصمة الروسية موسكو لإجراء حـوار ومنـاقشـة مصيره المجهول. وخلال تلك المنـاسبـة، سلـم جــواز سفر /ڤالينبـيرج/ ومفكرة الجيب الخاصـة به وأمـلاكه الأخرى للعائلـة. وفيمـا يبـدو أنها وجـدت أثناء الإصــلاحات في أرشيف المخابرات السوفيتية كيه جي بي (KGB).

بعـد سنتـين من التاريـخ أعــلاه، اتفقت الحكومتـين السوفيتية والسـويـديـة على تعيين لجنـة عمـل مشتركة لتنظيم الحقـائـق بشـأن مصـير /ڤالينبــيرج/. وتــم نشر تقـاريـرهمـا في يناير/كانـون الثاني 2001. ولكن لم يـؤدّ العمـل الجماعي إلى أي إجـابـات حاسمـة، واُسْتُنْتِج أن الأسئلـة المهمّـة الكثـيرة كانت غــير مجـابــة حتّى الآن، وعليه لا يمكن إغلاق ملف /ڤالينبيرج/.

فشل دبلوماسيّ

عينت الحكومة السويـديـة في أكتوبر 2001 لجنة تحقيق رسميــة تدعى «لجنــة إليــاسون» (Eliasson Commission) للتحقيق في نشاطات منظومة السياسة الخارجيّة للسّويد فيما يختص بقضية /راؤول ڤالينبيرج/. وفي عام 2003، صدر تقرير لخصت فيه التحركات السياسية السويدية تحت عنوان «فشل دبلوماسي».

الرجل الأمثل للمهمة

لم يكن راؤول ڤالينبــيرج من النـــوع البطـولي بالمعنى التقليدي، ولكنه كان شجاعاً ومفاوضاً ماهراً ومنظّماً فكيف يمكن لرجل واحد إنقاذ عدد هائل من الأرواح؟ كان /راؤول ڤالينبيرج/ الرجل المناسب في المكان المناسب وفي الزمان المناسب هكذا وصفـه الدبلـومـاسـيّ السويـدي بير أنجر (2002-1913). وكان قد تم تعيين أنجر في بودابست أثنـــاء الحـرب كمستشـار للمفــوضيــة السـويـديـة. وإضافـة إلى ذلك، فإن بيئـة /ڤالينبـيرج/ وتربيته زوّدتاه بالمهارات الفريدة.

دراسة العمارة في الخارج

تعد عائلة ڤالينبيرج إحدى أبرز العائـلات في السـويـد، مع أجيـال من كبار المصرفيـين والدبلـومـاسيين ورجال الدولـة. فقد كان والـد راؤول ابن عـم يعقـوب ومـاركوس ڤالينبيرج، وهما اثنان من رجال المال والصناعيين الأكثر شهـرة في السـويـد في القـرن العشريـن. وكانت الخطّة لراؤول الدخــول فـي المجــال المصرفي، لكنه كان أكثر اهتمامـاً بالعمـارة والتجــارة. حيث سـافــر في العــام 1931 لدراسة الهندسة المعمارية في جامعة ميتشيغان في الـولايـات المتحـدة الأمريكية. ودرس هنــاك أيضــاً اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية.

وعندمـا عـاد إلى السـويـد في عـام 1935، وجد أن درجته الجامعية الأمريكية لا تخولـه العمـل كمهندس معماري في السويد. وعمل ڤالينبـيرج بين عامي 1935 و1936 في فرع بنك هولندا في حيفا. وفي ذلك الوقت، قابل اليهود الذين هربوا من ألمانيا وهتلر. وقد حركت قصتهم مشاعر ڤالينبيرج وتأثر كثيراً بها.

شقّ الطريق حتى القمة

حصل ڤالينبيرج في ستوكهولم على وظيفة في شركة أوربا الـوسطــى للتجـــارة (Central European Trading Company) وهي شركة استيرادة وتصدير مع أعمال في ستوكهولم وأوروبا الوسطى، ومملوكة من قبل /كالمان لاوير/ وهو يهودي مجري. وجعلت مهـارات /ڤالينبــيرج/ اللغـويـة وحقيقـة كونه يستطيـع السفر بحـريـة حـول أوروبّا الشريك الأمثل في الأعمال للاوير. ولم يمض وقت طـويـل حتى أصبح مساهماـً رئيسياً في الشركة والمـديـر الدولي لها. وعلمته أسفـاره إلى فرنسـا المحتلـة من قبل النـازيـة وإلى ألمانيا كيف تعمـل البيروقراطيّة الألمانيّة، وهي معرفة أثبتت قيمة كبيرة فيما بعد.

محمي بموقعه الدبلوماسي

كان /ڤالينبيرج/ أيضاً ممثلاً موهوباً وكان ذلك عوناً كبيراً له عنـد التصـادمـات مـع النـازيـين. وكان بإمكانـه أن يكون هادئاً وظريفـاً ووديعـاً، أو عدوانياً ومخيفاً. كما كان يتملـق ويـرشـو أو يصيـح ويهــدد في المنـاسبـات والسياقـات المختلفـة. وقد أثار إعجاب النازيين وغالباً ما رضخـوا لطلباتـه. وكان وضعـه الدبلومـاسـي السـويـدي عاملاً مساعداً له، الشيئ الذي لم يجـرؤ الألمان على انتهاكه.

وطلب بير أنجر من /ڤالينبـيرج/ في آخـر مرة رآه بها فـي 10 ينـاير/كانـون الثاني 1945 أن يتخـذ لـه مـأوى للحماية. وقد رد عليه ڤالينبيرج: «بالنسبة لي، لا يوجد من خيـار آخـر. لقـد قبلت هـذه المهمـة ولا أستطيـع العـودة إلى ستـوكهـولم مـن دون أن أتـأكد بأنني قــد فعلت ما في وسعي وما في مقدرتي البشرية لإنقاذ أكبر عدد ممكن من اليهود».

شهادات شخصية

أثّر ڤالينبيرج في حياة العديد من الاشخاص خلال حياته في بودابست. وفيما يلي اثنان من العديد من الشهادات:

جوني موزير

«لقـد كنت سـاعـي ڤالينبيرج. وبمـا أننـي أتـكلم الألمانية إضافـة إلـى الهنغاريـة أمكنني ذلك من عبـور الحـواجـز وكنت مجهّزاً بشكل جيد جداً لأن أكون مرسالاً». ويتحدث /مـوزيـر/ عـن اليـوم الـذي علم به /ڤالينبيرج/ عـن العمـال اليهـود الثمـانمـائـة الذين سُيّروا إلى ماوتهاوزن. وذهب مع /ڤالينبيرج/ إلى هناك. طلب /ڤالينبيرج/ ممن يحملون الجوازات السويـديـة رفــع أيديهــم. «وبنـاء علـى أمـر منــه، ركضت بين الصفـوف وأخبـرت الرجـال أن يرفعـوا أياديهــم سـواء كان لديهـم جـواز سفـر أم لا. ومن ثم أخـذ/ ڤالينبيرج/ علـى عـاتقـه رعـايـة كلّ الـذين رفعت أياديهم، وكان لـه تأثيره بحيث أنه لا أحـد من الحرّاس الهنغاريين عارضوه. لقد كان الشيء الاستثنائي فيه القوّة المقنعة للغاية في سلوكه.»

 تيبور وأجنيس ڤاندور

كان تيبـــور وزوجتـــه أجنيــس مستخـدمــين عنــد ڤالينبيرج. وكانت أجنيــس علــى وشكّ الــولادة. وفي ذلك الوقت منعت كلّ المستشفيات اليهود وكانت البيـوت مكتظـة ازدحـامـاً. وجد ڤالينبيرج طبيباً وأخذ الزوجين ڤاندور إلى شقّتـه في شارع أوستروم. وهنـاك، أعطـى أجنيس الشابـة سريره ونام هو عند المدخل. وفي وقت مبكّر صباحاً، أعلن الطبيب وصول الطفلة إيڤون ماريا إيڤا. وسأل الزوجين ڤاندور ڤالينبيرج أن يكون عرّاب طفلتهما، وقبل ڤالينبيرج بكل لطف.

عن Wissam Moukayed